فصل: قال أبو حيان:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



وتمريد الغصن تجريده من الورق؛ يقال: مَرَد يَمْرُد مُرودًا ومَرَادة.
قوله تعالى: {لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ} هو مثل قوله: {لاَ تَعْلَمُونَهُمُ الله يَعْلَمُهُمْ} [الأنفال: 60] على ما تقدّم.
وقيل: المعنى لا تعلم يا محمد عاقبة أمورهم وإنما نختص نحن بعلمها؛ وهذا يمنع أن يحكم على أحد بجنة أو نار.
قوله تعالى: {سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إلى عَذَابٍ عَظِيمٍ} قال ابن عباس: بالأمراض في الدنيا وعذاب الآخرة.
فمرض المؤمن كفارة، ومرض الكفار عقوبة.
وقيل: العذاب الأوّل الفضيحة باطلاع النبيّ صلى الله عليه وسلم عليهم؛ على ما يأتي بيانه في المنافقين.
والعذاب الثاني عذاب القبر.
الحسن وقتادة: عذاب الدنيا وعذاب القبر.
ابن زيد: الأوّل بالمصائب في أموالهم وأولادهم، والثاني عذاب القبر.
مجاهد: الجوع والقتل.
الفراء: القتل وعذاب القبر.
وقيل: السباء والقتل وقيل: الأوّل أخذ الزكاة من أموالهم وإجراء الحدود عليهم، والثاني عذاب القبر.
وقيل: أحد العذابين ما قال تعالى: {فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ} إلى قوله: {إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الحياة الدنيا}.
والغرض من الآية اتباع العذاب، أو تضعيف العذاب عليهم. اهـ.

.قال الخازن:

{وممن حولكم من الأعراب منافقون}
ذكر جماعة من المفسرين المتأخرين كالبغوي والواحدي وابن الجوزي أنهم من أعراب مزينة وجهينة وأشجع وغفار وأسلم وكانت منازلهم حول المدينة ويعني ومن هؤلاء الأعراب منافقون وما ذكروه مشكل لأن النبي صلى الله عليه وسلم دعا لهؤلاء القبائل ومدحهم فإن صح نقل المفسرين فيحمل قوله سبحانه وتعالى: {وممن حولكم من الأعراب منافقون} على القليل لأن لفظة من للتبعيض ويحمل دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لهم على الأكثر والأغلب وبهذا يمكن الجمع بين قول المفسرين ودعاء النبي صلى الله عليه وسلم لهم.
وأما الطبري، فإنه أطلق القول ولم يعين أحدًا من القبائل المذكورة بل قال في تفسير هذه الآية: من القوم الذين حول مدينتكم أيها المؤمنون من الأعراب منافقون ومن أهل مدينتكم أيضًا أمثالهم أقوام منافقون وقال البغوي: {ومن أهل المدينة} من الأوس والخزرج منافقون {مردوا على النفاق} فيه تقديم وتأخير تقديره وممن حولكم من الأعراب ومن أهل المدينة منافقون مردوا على النفاق يعني مرنوا عليه يقال تمرد فلان على ربه إذا عتا وتجبر ومنه الشيطان المارد وتمرد في معصيته أي مرن وثبت عليها واعتادها ولم يتب منها قال ابن إسحاق: لجوا فيه وأبو غيره.
وقال ابن زيد: أقاموا عليه ولم يتوبوا منه {لا تعلمهم} يعني أنهم بلغوا في النفاق إلى حيث أنك لا تعلمهم يا محمد مع صفاء خاطرك واطلاعك على الأسرار {نحن نعلمهم} يعني لكن نحن نعلمهم لأنه لا تخفى علينا خافية وإن دقت {سنعذبهم مرتين} اختلف المفسرون في العذاب الأول مع اتفاقهم على العذب الثاني هو عذاب القبر بدليل قوله: {ثم يردون إلى عذاب عظيم} وهو عذاب النار في الآخرة فثبت بهذا أنه سبحانه وتعالى يعذب المنافقين ثلاث مرات مرة في الدنيا ومرة في القبر ومرة في الآخرة أما المرة الأولى وهي التي اختلفوا فيها فقال الكلبي والسدي قام النبي صلى الله عليه وسلم خطيبًا في يوم جمعة فقال: «اخرج يا فلان فإنك منافق اخرج يا فلان فإنك منافق فأخرج من المسجد أناسًا وفضحهم» فهذا هو العذاب الأول.
والثاني: هو عذاب القبر لإن صح هذا القول فيحتمل أن يكون بعد أن أعلمه الله حالهم وسماهم له لأن الله سبحانه وتعالى قال لا تعلمهم نحن نعلمهم ثم بعد ذلك أعمله بهم.
وقال مجاهد: هذا العذاب الأول هو القتل والسبي وهذا القول ضعيف، لأن أحكام الإسلام في الظاهر كانت جارية على المنافقين فلم يقتلوا ولم يسبوا وعن مجاهد رواية أخرى أنهم عذبوا بالجوع مرتين.
وقال قتادة: المرة الأولى هي الدبيلة في الدنيا وقد جاء تفسيرها في الحديث بأنها خراج من نار تظهر في أكتافهم حتى تنجم من صدورهم يعني تخرج من صدورهم.
وقال ابن زيد: الأولى هي المصائب في الأموال والأولاد في الدنيا والأخرى عذاب القبر.
وقال ابن عباس: الأولى إقامة الحدود عليهم في الدنيا والأخرى عذاب القبر.
وقال ابن إسحاق: الأولى هي ما يدخل عليهم من غيظ الإسلام ودخولهم فيه كرهًا غير حسبة والأخرى عذاب القبر.
وقيل: إحداهما ضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم عند قبض أرواحهم، والأخرى عذاب القبر.
وقيل: الأولى إحراق مسجدهم مسجد الضرار، والأخرى إحراقهم بنار جهنم وهو قوله سبحانه وتعالى: {ثم يردون إلى عذاب عظيم} جهنم يخلدون فيه. اهـ.

.قال أبو حيان:

{وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة}
لما شرح أحوال منافقي المدينة، ثم أحوال منافقي الأعراب، ثم بين أنّ في الأعراب، من هو مخلص صالح، ثم بين رؤساء المؤمنين من هم ذكر في هذه الآية أن منافقين حولكم من الإعراب، وفي المدينة لا تعلمونهم أي: لا تعلمون أعيانهم، أو لا تعلمونهم منافقين.
ومعنى حولكم: حول بلدتكم وهي المدينة.
والذين كانوا حول المدينة جهينة، وأسلم، وأشجع، وغفار، ومزينة، وعصية، ولحيان، وغيرهم ممن جاوز المدينة.
{ومن أهل المدينة} يجوز أن يكون من عطف المفردات، فيكون معطوفًا على من في قوله: {وممن}، فيكون المجرور أن يشتركان في المبتدأ الذي هو منافقون، ويكون مردوا استئنافًا، أخبر عنهم أنهم خريجون في النفاق.
ويبعد أن يكون مردوا صفة للمبتدأ الذي هو منافقون، لأجل الفصل بين الصفة والموصوف بالمعطوف على وممن حولكم، فيصير نظير في الدار زيد وفي القصر العاقل، وقد أجازه الزمخشري تابعًا للزجاج.
ويجوز أن يكون من عطف الجمل، ويقدر موصوف محذوف هو المبتدأ أي: ومن أهل المدينة قوم مردوا، أو منافقون مردوا.
قال الزمخشري: كقوله: أنا ابن جلا. انتهى.
فإن كان شبهه في مطلق حذف الموصوف، وإن كان شبهه في خصوصيته فليس بحسن، لأن حذف الموصوف مع من وإقامة صفته مقامه، وهي في تقدير الاسم، ولاسيما في التفصيل منقاس كقولهم: منا ظعن ومنا أقام.
وأما أنا ابن جلا فضرورة شعر كقوله:
يرمي بكفي كان من أرمى البشر

أي بكفي رجل.
وكذلك أنا ابن جلا تقديره: أنا ابن رجل جلا أي كشف الأمور.
وبينها وعلى الوجه الأول يكون مردوا شاملًا للنوعين، وعلى الوجه الثاني يكون مختصًا بأهل المدينة.
وتقدم شرح مردوا في قوله: {شيطانًا مريدًا لعنه الله} وقال هنا ابن عباس: مردوا، مرنوا وثبتوا، وقال أبو عبيدة: عتوا من قولهم تمرد.
وقال ابن زيد: أقاموا عليه لم يتوبوا لا تعلمهم أي: حتى نعلمك بهم، أو لا تعلم عواقب أمرهم، حكاه ابن الجوزي.
أو لا تعلمهم منافقين، لأن النفاق مختص بالقلب.
وتقدم لفظ منافقين فدل على المحذوف، فتعدت إلى اثنين قاله: الكرماني.
وقال الزمخشري: يخفون عليك مع فطنتك وشهامتك وصدق فراستك لفرط توقيهم ما يشكك في أمرهم.
وأسند الطبري عن قتادة في قوله: {لا تعلمهم نحن نعلمهم} قال: فما بال أقوام يتكلفون علم الناس؟ فلان في الجنة، فلان في النار، فإذا سألت أحدهم عن نفسه قال: لا أدري أنت لعمري بنفسك أعلم منك بأعمال الناس، ولقد تكلفت شيئًا ما تكلفه الرسل.
قال نبي الله نوح: {وما علمي بما كانوا يعملون} وقال نبي الله شعيب: {بقيت الله خير لكم إن كنتم مؤمنين وما أنا عليكم بحفيظ} وقال الله تعالى لنبيه: {لا تعلمهم نحن نعلمهم} انتهى.
فلو عاش قتادة إلى هذا العصر الذي هو قرن ثمانمائة وسمع ما أحدث هؤلاء المنسوبون إلى الصوف من الدعاوى والكلام المبهرج الذي لا يرجع إلى كتاب الله وإلى سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، والتجري على الإخبار الكاذب عن المغيبات، لقضى من ذلك العجب.
وما كنت أظن أنّ مثل ما حكى قتادة يقع في ذلك الزمان لقربه من الصحابة وكثرة الخير، لكن شياطين الإنس يبعد أن يخلو منهم زمان.
نحن نعلمهم.
قال الزمخشري: نطلع على سرهم، لأنهم يبطنون الكفر في سويداء قلوبهم إبطانًا، ويبرزون لك ظاهرًا كظاهر المخلصين من المؤمنين، لا تشك معه في إيمانهم، وذلك أنهم مردوا على النفاق وضروبه، ولهم فيه اليد الطولى انتهى.
وفي قوله: {نحن نعلمهم} تهديد وترتب عليه بقوله: {سنعذبهم مرتين}.
والظاهر إرادة التثنية ويحتمل أن يكون لا يراد بها شفع الواحد، بل يكون المعنى على التكثير كقوله: {ثم ارجع البصر كرتين} أي كرة بعد كرة.
كذلك يكون معنى هذا سنعذبهم مرة بعد مرة.
وإذا كانت التثنية مرادة فأكثر الناس على أنّ العذاب الثاني هو عذاب القبر، وأما المرة الأولى فقال ابن عباس في الأشهر عنه: هو فضيحتهم ووصمهم بالنفاق.
وروي في هذا التأويل أنه عليه السلام خطب يوم جمعة بدر فندر بالمنافقين وصرح وقال: «اخرج يا فلان من المسجد فإنك منافق، واخرج أنت يا فلان، واخرج أنت يا فلان» حتى أخرج جماعة منهم، فرآهم عمر يخرجون من المسجد وهو مقبل إلى الجمعة فظن أن الناس انتشروا، وأن الجمعة فاتته، فاختفى منهم حياء، ثم وصل المسجد فرأى أنّ الصلاة لم تقض وفهم الأمر.
قال ابن عطية: وفعله صلى الله عليه وسلم على جهة التأديب اجتهاد منه فيهم، ولم يسلخهم ذلك من الإسلام، وإنما هو كما يخرج العصاة والمتهمون، ولا عذاب أعظم من هذا.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرًا ما يتكلم فيهم على الإجمال دون تعيين، فهذا أيضًا من العذاب انتهى.
ويبعد ما قال ابن عطية لأنه نص على نفاق من أخرج بعينه، فليس من باب إخراج العصاة.
بل هؤلاء كفار عنده وإنْ أظهروا الإسلام.
وقال قتادة وغيره: العذاب الأول علل وأدواء أخبر الله نبيه أنه سيصيبهم بها، وروي أنه أسرّ إلى حذيفة باثني عشر منهم وقال: «ستة منهم تكفيهم الدبيلة سراج من نار جهنم تأخذ في كتف أحدهم حتى تفضي إلى صدره، وستة يموتون موتًا» وقال مجاهد: هو عذابهم بالقتل والجوع.
قيل: وهذا بعيد، لأن منهم من لم يصبه هذا.
وقال ابن عباس أيضًا: هو هو أنهم بإقامة حدود الشرع عليهم مع كراهيتهم فيه.
وقال ابن إسحاق: هو همهم بظهور الإسلام وعلو كلمته.
وقيل: ضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم عند قبض أرواحهم.
وقال الحسن: الأول ما يؤخذ من أموالهم قهرًا، والثاني الجهاد الذي يؤمرون به قسرًا لأنهم يرون ذلك عذابًا.
وقال ابن زيد: مرتين هما عذاب الدنيا بالأموال والأولاد كل صنف عذاب فهو مرتان، وقرأ {فلا تعجبك} الآية.
وقيل: إحراق مسجد الضرار، والآخر إحراقهم بنار جهنم.
ولا خلاف أن قوله: إن عذاب عظيم هو عذاب الآخرة وفي مصحف أنس {سيعذبهم} بالياء، وسكن عياش عن أبي عمر والياء. اهـ.

.قال أبو السعود:

{وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مّنَ الأعراب} شروعٌ في بيان أحوالِ منافقي أهلِ المدينة ومن حولها من الأعراب بعد بيانِ حالِ أهلِ الباديةِ أي ممن حول بلدتِكم {منافقون} وهم جهينةُ ومزينةُ وأسلمُ وأشجَعُ وغفارٌ كانوا نازلين حولها {وَمِنْ أَهْلِ المدينة} عطفٌ على ممن حولكم عطفَ مفردٍ على مفرد وقوله تعالى: {مَرَدُواْ عَلَى النفاق} إما جملةٌ مستأنفةٌ لا محل لها من الإعراب مَسوقةٌ لبيان غلوِّهم في النفاق إثرَ بيانِ اتصافِهم به وإما صفةٌ للمبتدأ المذكورِ فُصل بينهما وبينه بما عُطفَ على خبره، أو صفةٌ لمحذوف أقيمت هي مُقامه وهو مبتدأ خبرُه من أهل المدينة كما في قوله:
أنا ابن جلا وطلاع الثنايا

والجملةُ عطفٌ على الجملة السابقة أي ومن أهل المدينةِ قومٌ مردوا على النفاق أي تمهّروا فيه من مرَن فلانٌ على عمله ومرَد عليه إذا درب به وضرِي حتى لانَ عليه ومهَر فيه، غير أن مرَدَ لا يكاد يستعمل إلا في الشر، فالتمرّدُ على الوجهين الأولين شاملٌ للفريقين حسب شمولِ النفاقِ وعلى الوجه الأخير خاصٌّ بمنافقي أهلِ المدينةِ وهو الأظهر والأنسبُ بذكر منافقي أهلِ البادية أولًا ثم ذكرِ منافقي الأعرابِ المجاورين للمدينة ثم ذكرِ منافقي أهلِها والله تعالى أعلم وقوله عز شأنه: {لاَ تَعْلَمُهُمْ} بيانٌ لتمرّدهم أي تعرفِهم أنت لكن لا بأعيانهم وأسمائِهم وأنسابِهم بل بعنوان نفاقِهم يعني أنهم بلغوا من المهارة في النفاق والتنوُّق في مراعاة التقيةِ والتحامي عن مواقع التهم إلى مبلغ يخفى عليك حالُهم مع ما أنت عليه من علو الكعبِ وسموِّ الطبقة في كمال الفِطنةِ وصِدقِ الفِراسةِ، وفي تعليق نفي العلمِ بهم مع أنه متعلقٌ بحالهم مبالغةٌ في ذلك وإيماءٌ إلى أن ما هم فيه من صفة النفاقِ لعَراقتهم ورسوخِهم فيها صارت بمنزلة ذاتياتِهم أو مشخَّصاتِهم بحيث لا يُعَدّ من لا يعرِفهم بتلك الصفة عالمًا بهم، وحُمل عدم علمِه عليه الصلاة والسلام بأعيانهم على عدم علمِه عليه الصلاة والسلام بعد مجيء هذا البيانِ على أنه عليه الصلاة والسلام يعلم أن فيهم منافقين لكن لا يعلمهم بأعيانهم وهو مع كونه خلافَ الظاهر عارٍ عما ذكر من المبالغة.
وقوله عز وجل: {نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ} تقريرٌ لما سبق من مهارتهم في فن النفاقِ أي لا يقف على سرائرهم المركوزةِ في ضمائرهم إلا مَنْ لا تخفى عليه خافيةٌ لِما هم عليه من شدة الاهتمامِ بإبطان الكفرِ وإظهارِ الإخلاصِ، وفي تعليق العلمِ بهم مع أن المقصودَ بيانُ تعلقِه بحالهم ما مر في تعليق نفيِه بهم، وقولُه عز شأنُه: {سَنُعَذّبُهُم} وعيدٌ لهم وتحقيقٌ لعذابهم حسبما علم الله فيهم من موجباته، والسين للتأكيد {مَّرَّتَيْنِ} عن ابن عباس رضى الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قام خطيبًا يوم الجمعة فقال: «اخرُجْ يا فلانُ فإنك منافقٌ اخرجْ يا فلان فإنك منافقٌ» فأخرج ناسًاوفضحَهم فهذا هو العذابُ الأولُ، والثاني إما القتلُ وإما عذابُ القبرِ أو الأولُ هو القتلُ والثاني عذابُ القبرِ أو الأولُ أخذُ الزكاةِ لما أنهم يعُدّونها مغرمًا بحتًا والثاني نهكُ الأبدان وإتعابُها بالطاعات الفارغةِ عن الثواب. ولعل تكريرَ عذابِهم لما فيهم من الكفر المشفوعِ بالنفاق أو النفاقِ المؤكدِ بالتمرد فيه، ويجوز أن يكون المرادُ بالمرتين مجردَ التكثيرِ كما في قوله تعالى: {ثُمَّ اْرجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ} أي كرةً بعد أخرى {ثُمَّ يُرَدُّونَ} يوم القيامة {إلى عَذَابٍ عَظِيمٍ} هو عذابُ النارِ، وفي تغيير السبكِ بإسناد عذابِهم السابقِ إلى نونِ العظمةِ حسب إسنادِ ما قبله من العلم وإسناد ردِّهم إلى العذاب الللاحقِ إلى أنفسهم إيذانٌ باختلافهم حالًا وأن الأولَ خاصٌّ بهم وقوعًا وزمانًا يتولاه سبحانه وتعالى والثاني شاملٌ لعامة الكفرةِ وقوعًا وزمانًا وإن اختلفت طبقاتُ عذابِهم. اهـ.